Profilo di Haura»° زهرْ الـرُّمــــان °...FotoBlogElenchiAltro Strumenti Guida

Blog


novembre 2006

سلطنة عمــان تعيد إليك روحك

 

سلطنة عُمان تعيد إليك روحك 

(أوسلو في 18 يوليو 2006)

 

 بقلم :محمد عبد المجيد

ناشر ورئيس تحرير مجلة طائر الشمال ،عضو إتحاد الصحفيين النرويجيين

---------------------------------------------------------------- 

 

 

هل فكرت مرة فيما تفعله الأخبار السيئة ونشرات الغَمّ العربي ومفخخات الشاشة الصغيرة في عينيك وقلبك ونفسك وخيالك وأعصابك؟

ألا تريد أن ترتاح قليلا، وتُلقي برأسك في أيّ مكان عربي، وتغمض عينيك، ولا يوقظك إلا الشبع من السلام والأمن والاطمئنان؟

ألا ترغب في أن تفرك عينيك، ثم تفتحهما فتجد نفسك في بلد عربي ليس فيه سيارات مفخخة، أو سجون من الحدود الشمالية إلى الحدود الجنوبية، أو قوات يانكي تصطاد مواطني البلد وسط ضحكات وقهقهات من شباب المارينز وهم يمضغون لبانهم بطريقة فجة؟

ألا تشتاق إلى ملء خيالك وواقعك بمشهد نهضة، وأناس يخاطبونك وكأنهم يتغزلون فيك، ويتحدثون إليك وأنت الضيف كأنهم هم الضيوف؟

 

ألست متعَبا، ومرهَقا، وتحتاج لقياس ضغط دمك أربعا وعشرين مرة في اليوم مع اطلالة مقدم نشرة الأخبار الذي لن يفاجئك بصور أطفال لبنانيين وقد تم اخراج بقايا أجسادهم الطريّة من تحت أنقاض بناية دمرها العدوان الصهيوني في زمن الهوان العربي وذل ومهانة ومسكنة وضعف وخذلان تلك الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة؟

ألم يأن الوقت أن تصدق أن في وطنك العربي الممتد من الجزر الإماراتية المحتلة إلى الجزر المغربية المحتلة، ومن لواء الاسكندرونة المحتل إلى جزيرة حنيش المحتلة مكانا آمنا تستريح فيه الملائكة، وينفر منه الشيطان، ولا يجد فيه أمراء الحرب وأباطرة التهريب ومروجو الفساد متسعا لهم أو ترحيبا بهم؟

 

هل أنت واحد من هؤلاء العرب المنتشرين في عالمنا العربي والذين لا يعرفون عن سلطنة عُمان إلا برميل النفط وقلاع من مهد التاريخ وخنجر معلق في وسط الجسد النحيل كما وصفهم مثقف عربي ومستشار في أحد المحاكم واتفق معه جميع الحاضرين من أهل القضاء؟

 

لست في حاجة إلى السفر لسلطنة عمان في كل مرة تريد أن تتطهر أو تنعش النفس أو تريح قلبك الذي أتعبته أخبار عالم عربي تمنيناه وطنا واحدا في زمن القومية فأصبح أكثر من عشرين وطنا غريبا في زمن الصحوة!

 

نحن نصحبك في رحلة فكرية إلى سلطنة عمان شريطة أن تترك أحكامك المُسْبَقة وراء ظهرك قبل أن تسمع أو تقرأ أو تدلف لهذا البلد الطيب الذي كان عصيّا طوال ستة وثلاثين عاما على قوى الفساد والطائفية والمذهبية والتطرف والغلو.

 

أول ما تقع عليه عيناك في سلطنة عُمان هو اختفاء تلك السموم الطائفية التي تنخر في عظام دول عربية واسلامية وأفريقية كثيرة، من نيجيريا إلى العراق، وهنا لا تعرف إن كان المسؤول سُنّيا أو شيعيا أو إباضيا، ولو سألت لبهتت ابتسامة مضيفك الأكثر كرما من نخيل بلده، فكيف تُفَرق في سؤالك بين أبناء الوطن الواحد، وتنتظر ابتسامة مع الاجابة؟

ثم كيف يتصور أي عقل أن تسقط سهوا من قاموس النهضة مفردات فتلتقطها ألسنة تمهد لفك وشائج تربط بين أبناء عُمان؟

 

هنا تظهر صورة القائد العربي الذي يشير بسبّابته منذ الثالث والعشرين من يوليو عام 1970 مُحَذّرا العُمانيين، عمليا وضمنيا ودون الحديث الصريح، أن الاقتراب من الطائفية والمذهبية خط أحمر يتعارض ويتناقض مع مجمل فكر قائد النهضة وعقلها.

المواطَنة هي الأساس في قيام الدولة العمانية الحديثة التي أسسها قابوس بن سعيد وتقترب من اكتمال عقدها الرابع.

 

المواطَنة بعيدا عن مشاعر الاستعلاء والفوقية، والادعاء بأنَّ الله، عز وجل، سينحاز يوم القيامة لبعض العمانيين ضد البعض الآخر وفقا للمذهب أو الطائفة أو خانة صغيرة في هوية قومية.

المواطَنة هي الكلمة الأولى التي التقطها ذهن ذلك الشاب الأسمر وهو يحتضن الظفاريين مؤكدالهم أنَّ الكلَّ سواءٌ لديه، مَنْ حارب معه ومَنْ حارب ضده، ولو انضم اليمن الجنوبي في ذلك الوقت لعُمان الكبرى بقيادة السلطان قابوس لما اختلف الوضع ألبتة، وربما اختفت كل الأسماء الأخرى تحت مسمى واحد وهي سلطنة عمان والمواطنين العمانيين.

كيف يفكر هذا الرجل؟

 

هنا تحيل الكلماتُ السائلَ إلى المشهد العُماني شريطة أن تكون هناك قُدرة على المقارنة مع تلك الأيام القاسية والفظة والقحطاء التي صبغت عُمان منذ ست وثلاثين سنة بلون واحد قاتم وحزين لا تسمع غير مدافع الحدود، وصيحات الثوار، وبقايا القبلية، وكل صور التخلف إلى أن تَسَلّم الشابُ الثائرُ زمامَ دولة ضربها الفقر والمرض والأميّة والتخلف وقلة الموارد وحيرة عامة لا يعرف فيها المرءُ عن عالمه الخارجي أكثر مما كان يعرف اليمنيون في أيام حُكم الإمامة.

وليس كل العُمانيين قادرين على استدعاء مشهد ما قبل وصول السلطان قابوس إلى الحكم، ولكن حكايات الآباء والأمهات والأجداد هي التي تساهم في التعريف بمراحل العَدّ من الصفر إلى الرقم ستة وثلاثين.

 

لا يستوعب العُمانيون منطق الطائفية والمذهبية الذي يحاول به أناسٌ اقناعَ آخرين بأن العناية السماوية تنحاز إلى جانبهم، وأن خِتْمَاً إلهياً أبعد من السماء السابعة يُزَيّن هويّتهم الدينية، وأنَّ بعضَ مناصب الدولةِ يجب أن تكون حِكْراً على فئة دون أخرى.

في سلطنة عُمان ليست هناك شجرة للأشراف تمد جذورَها إلى الأنبياء والرسل والصحابة، وغابة كاملة تمتد إلى الرعاع كما يوحي بذلك في بلاد عربية وكأن الزعيمَ وريثُ الأنبياء.

 

لذا لا يجد السلطان قابوس بن سعيد حرجا في أن يقود سيارته، ويقوم بجولاته، ويجلس على الأرض، ويعطي أذنيه بتواضع جَمّ لكبار السن دون أن يتقدم أحد الحراس خطوة واحدة إلى الأمام، فالسلطان في حماية شعبه.

سألت مسؤولا عُمانيا قريبا جدا من السلطان قابوس إن كان العاهل العماني مستمعا جيدا ويأخذ برأي آخر إنْ رأى فيه منطقا ومصلحة حتى لو كانت له رؤية مغايرة؟

قال لي المسؤول العماني بأن السلطان قابوس يحمل الشورى في عقله، وإن لم يسترح لنتيجة توصل إليها فإنه يستمع لذوي الاختصاص، ويمنح مُحَدّثه الوقت كله، ويزيل عنه رهبة الحديث.

 

نظام الضمان الاجتماعي في سلطنة عمان يدخل مباشرة إلى الجانب الانساني، وهو ليس مِنّة من الحكومة أو تفضلا من السلطات، إنما هو المحتاج في خيرات بلده.

لذا تجد سلطنة عمان من الدول القليلة جدا التي تصرف معاشات لذوي السجناء إن كان السجين هو العائل الرئيس للعائلة على العكس تماما من دول كثيرة تعاقب السلطات فيها عائلة السجين وأقاربه وذويه ومعارفه.

والأسر المنتفعة بالضمان الاجتماعي لا تمد يدها حفاظا على كرامة يراها السلطان قابوس أساس التطور والتقدم والنهضة، فكانت مشروعات موارد الرزق التي تطورت إلى قروض من المصارف فتتحقق حرية المستفيدين من الضمان الاجتماعي باختيار العمل الذي يرونه مناسبا لهم.

 

رعاية المعاقين اكتسبت بُعدا جديدا عندما بدأ التعاون مع منظمة العمل الدولية ، وفي نهاية مراحل البرنامج الثلاث يتم تأهيل المعاقين في نفس البيئة والمجتمع المحلي الذي تربوا فيه، ففيه ألفة ومعرفة وصلة رحم وتفهم لاحتياجات تلك الفئة، ومن السهل انخراط المتطوعين لمعرفة كثيرين منهم معرفة شخصية بذوي الاحتياجات الخاصة.

 

في أوروبا وخاصة في الدول الاسكندنافية يولي المجتمع أهمية كبيرة لرعاية المسنين والمعاقين منزليا، ولكن سلطنة عمان التي تسابق الزمن في اللحاق بعصر تأخر الكثيرون عنه ، تتقدم بخطى حثيثة، ويتم اعداد سيارات اسعاف مجهزة بأحدث الأدوات والمواد الطبية، ويقوم عليها مختصون أكفاء وتمر على المسنين والمعاقين، وتقدم الرعاية الطبية والانسانية اللازمة، وتتولى ارشاد الأسرة لطرق التعامل، وترصد الأخطاء، مع تبيان الطرق الصحيحة.

 

المرأة العمانية تسير على قدم المساواة قانونا، وهي لا تختلف عن الرجل في فكر قائد النهضة، وليس هناك عائق أو مانع من توليّها أي منصب، ولا تستطيع أي جهة متشددة أو متطرفة أن تستدرج الدين هنا لتفسيره على هواها، ومنع نصف المجتمع من الحقوق الكاملة والمتساوية.

 

السلطان قابوس بن سعيد يستشير ، ويسمع، وينصت بشغف، ويحترم الرأي الآخر، لكن هناك أساسيات في الزعامة، وأصول في فَنّ الحكم، وحسم إنْ رآه الآخرون غير صُلب وصارم فإنه سيكون دعوة مفتوحة لكل من أراد استغلال الفهم الديني الشخصي واعتباره أوامر إلهية لا خيار للمسلم فيها.

فهل يستطيع أي مفكر أو مثقف أو إمام مسجد أو فقيه أن يعترض باسم الدين على تعيين وزيرة للسياحة أو التعليم العالي مثلا أو يقول بأن نصف المجتمع في تلك النهضة المباركة ينبغي أن تلتزم الدار، وأن ذكور الدولة قادرون بمفردهم على تحقيق منجزات التقدم والتطور ؟

 

خيط رفيع تماما يفصل ما بين الشورى في أرقى درجاتها والحسم في أوضح صُوَرّه، وهذا هو ما يميز السلطان قابوس بن سعيد.

أكثر من عشرين عاما مرت على تأسيس اللجنة الوطنية لرعاية الطفولة، وهنا يظهر الاحترام العماني للمواثيق الدولية التي وقّعَت عليها باحترام حقوق الطفل.

الرعاية الصحية تأتي على رأس الأشياء التي تفتخر بها سلطنة عمان في كل المؤتمرات الدولية المتعلقة بالصحة، وترى منظمة الصحة العالمية أن السلطنة حققت تقدما رائعا في هذا المجال.

 

معاهد علوم صحية تمد القطاع الصحي بالكادر المطلوب، ومئات الطلاب تستوعبهم تلك المعاهد وفقا لاحتياجات الدولة.

سلطنة عمان نموذج عربي يؤكد للعالم كله أن العرب خامة طيبة، وأن الاستعداد للتطور لم يتم القضاء عليه، وأن رفاهية الشعوب ليست حلما من أحلام اليقظة.

سلطنة عمان تثبت لي، على المستوى الشخصي، فكرتي التي أعتنقها منذ باكورة شبابي وهي أن التغيير يأتي من فوق، وأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وأن القيادة الحكيمة والرشيدة والأمينة على الوطن تستطيع توجيه الشعب، واستخراج مكامن القوة فيه، وتفجير طاقات الابداع، وصناعة السلام، ومحو العنصرية والطائفية والمذهبية والتطرف والتشدد. والزعيم يمكنه أن يكون قائدا ماهرا، لكن جماهير الشعب لو تركت بمفردها لتقاتل على جسدها سبعون زعيما.

 

 

لا يحتاج عالمنا العربي لأكثر من أربعة أو خمسة من قابوس ليتغير وجه الحياة العربية برمتها، ونحتفل باختفاء نصف هزائمنا، ونلحق بركب العصر.

-------------------------------------------------------

 

رأيي الشخصي :

 

غالبا ما أؤمن بحكمة جلالة السلطان .. ولكن هناك أمور لا يمكن رؤيتها من الخارج .. وربما لو نظر إليها أجنبي خارج حدود البلد لرأى مدلولات أخرى تختلف عن تلك المدلولات التي نراها نحن المواطنين الذين ربما نتغاضى او لا نستطيع كل الامور بحكم وجودنا داخل الدائرة .. لذلك لا يمكن رؤية الصورة بالكامل ..

 

ولكنني أرى في هذا المقال تحليلات وآراء جميلة وتنظر إلى الجانب الايجابي المشرق في شخصية هذا الحاكم العربي الأسمر ..

 

فكذلك هو الأمر بالنسبة لبقية الحكام .. اؤمن دائما بأن لهم جانب ايجابي ولهم نظرتهم التي يطمحون أن يصلوا إليها .. ليس الحكام فحسب – بل وجميع الناس من حولنا لهم مبرراتهم ..

 

النقطة المهمة التي أود أن أشير إليها في رأيي هذا هي .. (( كيفما كنتم يولى عليكم ))  .. فطبيعة الشعب العماني هي التي ولدت شخصية هذا الحاكم .. فالسلطان هو من نسل المجتمع العماني .. فالسمات التي يتميز بها هي نفسها السمات التي يتميز بها الشعب العماني الذي انجب هذا الحاكم ..

 

فكل حاكم في العالم يحمل صفات المجتمع الذي ينتمي إليه .. فكيفما كان الشعب كان الحاكم يحمل صفات وسمات هذا الشعب سواء كان سلبيا أم ايجابيا .. وأؤمن دائما بوجود الجانب الايجابي في كل شعوب العالم ..

 

 

حوراء

 

 

 

giugno 2006

سلطنة عُمان .. صناعة الزمن الجميل

   

سلطنة عُمان .. صنــاعة الزمن الجميل  

  

 كتب: محمد عبد المجيد

 

في زيارتي الأخيرة للعاصمة البريطانية قضيت، كعادتي دائما، ساعات طويلة في المكتبات العتيقة أبحث عن كنوز، وأشم عبق التاريخ، وأتصفح جزءا من نتاج الفكر الإنساني.

 


منذ أربعين عاما وأنا أعتبر نشوتي وسعادتي الغامرة وهويتي الحقيقية، داخل المكتبات، وهي أول ما تقع عليه عيناي لدى زيارتي لأي مدينة، فاشتريت كتبا من دمشق والرباط والكويت ومسقط والرياض وبغداد والدوحة ولندن ونيويورك وفرانكفورت، ولكن تظل كتب القاهرة والإسكندرية وبورسعيد هي الأقرب لي.
وكنت أعمل في إحدى مكتبات جنيف بسويسرا، وأسست مكتبة عالمية في أوسلو عام 83 وأغلقتها عام87

 


في سرداب مكتبة عتيقة بالقرب من البيكاديللي وقع في يدي كتاب " مسقط وعمان.. نهاية حقبة" وقد صدر عام 1974 أي بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم بأربع سنوات.
يصف المؤلف الحياة في السلطنة بتفاصيل دقيقة، وقد عقد فصلا خاصا تحت عنوان " سعيد بن تيمور" يعتبره مدخلا لمعرفة سلطنة عمان قبل الولوج إلى العصر الجديد..عصر السلطان قابوس بن سعيد.
وكان جد السلطان الحالي تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد البوسعيدي قد هجر الحكم والحياة السياسية وغادر إلى مدينة بومباي الهندية ليقضي فيها ما بقى له من عمر.

 


وعندما تولى السلطان سعيد بن تيمور الحكم عام1932 قرر عزل البلاد عن العالم الخارجي كله، فكرا وعلما ودينا وحضارة، ونامت عمان نوم أهل الكهف وهي تغرق في فقر وجهل وأمية ومرض واستبداد، ولو استيقظ آنئذ أحد من القرون الأولى لظن أنه لم يمكث في الكهف إلا يوما أو بعض يوم!
ويقول المؤلف بأن من لم يقم بزيارة عمان قبل تولي السلطان قابوس الحكم، لا يستطيع مهما أوتي من خيال خصب أن يتصور مشهدا واحدا من مشاهد هذه الدولة قبل الحقبة القابوسية.
لم تكن هناك دولة بالمفهوم المعاصر، إنما كانت هناك صورة من صور البؤس مجسدة في شبه دولة معزولة عن العالم، ولا يأتي على ذكرها رحالة أو مفكر أو مؤرخ أو سياسي.

 


كل الزعماء في عالمنا العربي تؤكد وسائل إعلامهم أنهم صنعوا معجزات، ويعدد المنافقون حولهم الإنجازات العملاقة، وأكثرها في الواقع مشروعات فاشلة، فضلا عن الفساد والرشوة والمحسوبية والجرائم والتهريب، والمسافة الواسعة التي تفصل الحاكم عن الرعية.

 


سلطنة عمان حالة خاصة صنعها السلطان قابوس بن سعيد، ورسم بريشته مشهدا لمستقبل الدولة ثم جعل يضيف في كل يوم وكل ساعة خطوطا جميلة وألوانا مبهرة ولمسات فنية، فلا يدري المرء بعدها إن كانت سلطنة عمان تنتمي إلى عصرنا الحديث، أم هي واقعة في الزمن الجميل الذي صنعته ريشة الفنان، أعني سياسة السلطان قابوس بن سعيد!

 

 

ربما كان السبب في المقالات الكثيرة التي نشرتها عن سلطنة عمان هو حنيني الجارف إلى زمن لم يعد موجودا البتة، فأينما وليت وجهك ستجد سجونا ومعتقلات وفسادا وإهمالا من الحاكم، وشللية من مستشاري السوء وتدهورا وانحدارا على كافة المستويات الاقتصادية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية.
سيقول قائل بأن السلطان قابوس كان هو أيضا محظوظا في حكم بلد بكر وشعب طيب ودود لم تلوثه الحضارة الحديثة، ولا تعرف جرائم العنف طريقها إلى أفراده.

 


انبهاري بالتجربة العمانية يرجع في الأصل إلى إيماني العميق بأهمية وضع الأسس الثابتة في مركزية الحكم قبل البدء في أي خطوات أخرى.
وهنا سيختلط الأمر على الكثيرين ويظنون أنها دعوة إلى الاستبداد. معاذ الله أن ندعم بقلمنا أي صورة من صور الاستبداد، لكننا ننبه إلى واحدة من أهم تجارب العرب في القرون الأخيرة، أي الإمساك بكل حالة صغيرة والتعامل معها على حدة، ثم إعادتها إلى موقعها الصحيح في المجتمع، فهذه هي مهمة الحاكم الذي كنت أبحث عنه طويلا.
في الحقيقة فإنني لا أكترث كثيرا لعلاقات لزعيم عربي مع العالم ومع الغرب وزياراته واستقبالاته ومباحثاته، فتلك كلها يستطيع أن يقوم بها أي مسئول بروتوكولي، لكن المحك الرئيسي هو التعامل مع كل صغيرة وكبيرة في قضايا وهموم المجتمع.

 


إنها مركزية القرار المحلي القادم أصلا من احتياجات الشعب، أي أنه نتيجة طبيعية لتبلور الصورة التي يأمل فيها أفراد الشعب، ويقوم بتنقيتها وتحسينها ذوو الخبرة والعلماء والمتخصصون، ويلتقطها السلطان قابوس بن سعيد ليعيدها إلى المسئولين في صورة لوائح وقوانين وتوجيهات سامية وأوامر.


فمثلا عملية المسح السياحي، لمعرفة احتياجات السلطنة من خلال إشراك السائح نفسه في عينة كبيرة نسبيا هي الأولى من نوعها في العالم العربي، وحماية المستهلك حاجة لاستمرار ثقة الناس في حكومتهم، والسلطان قابوس بن سعيد الذي افتتح مؤخرا واحدا من أكبر وأهم مساجد الخليج، يؤكد موحيا لندوة الفقه الإسلامي بأن التسامح الديني هو خط الدفاع الأول عن الهوية العمانية بغض النظر عن الطوائف والمذاهب والملل. كل صغيرة وكبيرة على أرض سلطنة عمان هي أهم لدى السلطان من أي مظهر من مظاهر السلطة والجاه والصولجان واستقبالات الملوك والأمراء، لذلك تجد في كل وقت أينما حللت أنشطة مدهشة، وكأن عمان أصبحت كلها مدرسة يتعلم فيها الشيخ والشاب والطفل المرأة، بدءا من معرفة أهمية المياه إلى التوجيهات الصحية، ومن يتعلم كيفية البدء بمشروع صغير إلى حلقات وعي زراعي، ومن المحافظة على البيئة إلى تحسين الأداء الصناعي، وآلاف غيرها من فرص التعليم التي تتيحها مدرسة قابوس بن سعيد لكل أبناء الوطن الذي كان لثلاثين عاما مضت قفرا موحشا، وأطلال حضارة اندثرت، وبؤسا لا قبل لبشر به.

 


من أراد أن يشاهد الزمن الجميل فليجعل رحلة الصيف هذا العام إلى جنة الخليج الدافئ.. إلى محافظة ظفار.. أعني إلى خريف صلالة.


 

 
 
نقلا عن مجلة طائر الشمال